في قلب المملكة

كُتبت هذه القراءة بعد انتهائي من كتاب حياتي في السعودية مباشرة، أي في الخامس من آب 2010 لكنني آثرت الاحتفاظ بها بعض الوقت قبل أن أنشرها، لأنني أحسست أن موضوع الرؤية الغربية لكتاب كارمن لم يعالج بما فيه الكفاية، واهتديت في ما بعد إلى فكرة بحث هذه الرؤية تفصيلاً في جزء ثان من هذه التدوينة بالاعتماد على التعليقات التي أوردها قراء موقع غودريدز الغربيون على الكتاب.
ورغم مرور شهور عديدة منذ كتابة التدوينة، فإنها لم تتلق إلا تعديلاً طفيفاً قبل نشرها اليوم، لذا يمكن القول أنها انطباعي المباشر والتلقائي عن الكتاب.
في ما يلي نص ما كتبت في الخامس من آب:

إنها صدمة رؤية سعودية السبعينات بعيون غربية.

صدمة رؤية جدة المحرِقة بمنظار يبعث البرد في الأوصال، صدمة رؤية القيم الإسلامية وقد أسيء فهمها.. من الطرفين.

كتاب كارمن بن لادن ليس كشفاً للحجاب عن تاريخ أسامة بن لادن العائلي فالحق أنه لا يُذكر في الكتاب إلا مرات قليلة، والكتاب، وإن كان كما يبدو محاولة لتفسير الموقف الحقيقي لكارمن وبناتها من أحداث سبتمبر، ودفعاً للشبهات عنهن، إلا أنه ليس بأي حال مكرساً للغوص في دقائق الحادث أو تفسيراته أو خلفياته.

الكتاب يغوص فعلياً في الوجه الذي رأته كارمن من حياة عائلة سعودية ثرية كوّنها رجل تزوج اثنتين وعشرين مرة، وأنجب 54 ولداً ما بين بنت وصبي، كان أسامة واحداً منهم. غير أن الشخصية التي تفوق أسامة أهمية في السيرة الذاتية التي يعرضها الكتاب هي “يسلم”، الأخ العاشر في الترتيب، ذو الذكاء المتوقد والبصيرة المالية، الفتى التي كانت أمه – كوالدة المؤلفة – فارسية، الرجل الذي أحب كارمن وتزوجها.

وبزواجهما في جدة يبدأ الوصف السوداوي لحياة متشحة بالسواد: قبلية وخلافات عائلية دفينة لا تخرج للنور، وصراع على السلطة ومكائد، وروابط أسرية تظل قائمة رغم كل المشاكل، وشركة عملاقة تُدار بغير حنكة بعد وفاة مؤسسها، وفوضى حارّة لامنطقية وكئيبة.

كانت حياة النساء التي وصفتها كارمن مؤلمة، حلمت المؤلفة مع تباشير التغيير النفطي بتطور ينتشل البلاد من صحراويتها وبداوتها، لكن رحى التغيير لم تدر غير فترة وجيزة وجاءت الثورة الإيرانية لتحطم كل أحلامها، فقد عادت البلاد عودة عنيفة سنواتٍ إلى الوراء، وبدأت مخاوف المؤلفة على بناتها بالتبلور.

ماذا لو زُوّجن ضد إرادتهن؟ ماذا لو أدت التربية المتحررة التي تُقدّمها إليهن إلى صدامهن مع المجتمع حولهن؟ ماذا لو طُلِّقت وحرمت من رؤيتهن كالكثيرات من النساء اللواتي رأتهن؟

هذه الأسئلة وغيرها، وبعض القلاقل العائلية المدمرة أدت إلى فرار الكاتبة ببناتها خارج السعودية، لتنشأ تجاهها معركة قضائية هائلة استمرت سنوات، وليتم تجاهل الفتيات من عائلتهن بل من أقرب الرجال إليهن: أبيهن.

في الكتاب الكثير مما يترك قارئه في حال مريرة من الصدمة، أخطاء واضحة في العقلية وفي طريقة التعامل، وصورة إسلامية منفّرة بعيدة الشبه بالفكرة التي أحملها عن الإسلام وعن حياة المرأة.

لقد عاشت المؤلفة في بيئة إسلامية خالصة، وزارت البيت الحرام واعتمرت وأحست أمام الكعبة برهبة روحية عميقة، لكن الصورة التي انطبعت في ذهنها عن الإسلام شائهة بشعة.

أقدّر مسألة أنها امرأة أوروبية وأنه من كان هذا حاله فليس من الطبيعي أن يتأقلم مع بيئة السعودية، وأنه لا بد من وضع هذه المسألة بالحسبان عند النظر إلى الكتاب، فالموضوعية ليست الصفة المثلى لهذا النوع من لقاء الحضارات. لكنني لم أستطع منع نفسي من التفكير في حال القراء الأجانب: أيّ صورة مشوهة سقيمة ومنفرة سيحملونها عن السعودية؟ غضوا النظر عن السعودية لبعض الوقت: أي صورة مشوهة سيحملون عن الإسلام؟ هل سيصمد بعد قراءتهم الكتاب أي حديث عن مكانة المرأة في الإسلام حين يرون الطريقة التي عاشت بها نساء جدة في سبعينات القرن المنصرم؟

طوال قراءتي، كنت أقارن الحياة الخاملة والقاسية والثانوية لهؤلاء النسوة بحياة الصحابيات والتابعيات المليئة بالكفاح، والواقع أنني وجدت بين التصوّرين بوناً شاسعاً، وطفقت أفكر: ماذا لو عُمِّم النموذج السلبي هذا على نساء الأرض؟

النقطة التي أثارت حنقي وعَجَبي أكثر من غيرها في الكتاب، هي تلك المتعلقة بالانفصام الكامل بين الحياتين اللتين تعيشهما الأسر الثرية داخل وخارج السعودية. يتساءل المرء: هل مظاهر التدين المفرط لدى هذه الأسر لا تتجاوز عتبة الشكل الخارجي؟ وهل من السهل بمكان أن تُخلع العباءات في الطائرة وتنقلب الحياة مئة وثمانين درجة عند عتبة المطار الغربي، لتبدأ حياة منفلتة لا تشبه في قريب او بعيد نمط الحياة الذي تعيشه هذه الأسر في السعودية؟

كارمن بن لادن تحدثت عن السعودية التي عاشتها ورأتها، لقد احتملت هذه المرأة اختلافاً شاسعاً بين بيئتين وحياتين، وصمدت لسنوات قرب زوجها وأسرتها الصغيرة في مجتمع خانق لم تألفه، تعلمت كيف تراعي العادات والتقاليد وكيف تبني لنفسها فسحة مورقة في صحراء تجهلها، وبغض النظر عن مقدار موافقتي وموافقة القارئ لكلامها، وبغض النظر عن التعليقات التي لا بد منها على بعض الأمور التي أورَدَتها، فالواضح أنها لم تدرك في رحلة ابتعادها الطويلة عن المملكة أن البلد قد تغير بالفعل، فالصفات التي ذكرتها والمشاهد التي شاهدتها قد تبدلت إلى واقع اكثر إشراقاً، والنساء على الأقل غدون يرتدن الجامعات ويقرأن أحدث الإصدارات العالمية ، ويساهمن في نهضة موطنهن.

ملاحظة اخيرة: لا أرغب في أن افسح المجال للتهجم على السعودية أو على الكاتبة، ولا أرغب أيضاً في أن يصبح هذا المكان ساحة للأخذ والرد أو مناقشة الخلافات.

شبكة الإنترنت مليئة بالمساحات التي تسمح لكل امرئ أن يناقش القضية التي يريدها بالطريقة التي يريدها، باللطف أو بالعنف – وهو الأعم الأغلب-.

أريد لهذه المدونة أن تكون مساحة هادئة لإبراز رأيي الخاص، لذا ارتأيت أن أستبق الأمور وأن أطلب من القراء الكرام مع بالغ الاحترام عدم التعليق على هذه التدوينة.

عذراً لكل من كان يملك إضافة لم يستطع إيرادها أو رأياً لطيفاً لم يستطع المشاركة به، أحاول الحصول على بعض الحرية المنضبطة في مدونتي، وإن كان لا بد من إيصال إحدى أفكاركم يمكنكم استخدام البريد الإلكتروني للمدونة.

الأوسمة: , , , ,

2 تعليقان to “في قلب المملكة”

  1. Alaa Says:

    شكراً لك ، استفدت من التدوينة كثيراً .

  2. في قلب المملكة | موسوعة دهشة Says:

    […] كُتبت هذه القراءة بعد انتهائي من كتاب حياتي في السعودية مباشرة، أي في الخامس من آب 2010 لكنني آثرت الاحتفاظ بها بعض الوقت قبل أن أنشرها، لأنني أحسست أن موضوع الرؤية الغربية لكتاب كارمن لم يعالج بما فيه الكفاية، واهتديت في ما بعد إلى فكرة بحث هذه الرؤية تفصيلاً في جزء ثان من هذه التدوينة […] المصدر […]

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: