أن تُغلق ذهنك على كتاب!

كل عام وجميع القراء بخير من الله وأمن وبركة.

وتقبل الله طاعاتكم وصيامكم وقيامكم وأثابكم بفضله وكرمه.

تدوينتي هذه ستكون إجابة على سؤال من قبل أحد القراء الكرام، ويتمحور السؤال حول الطريقة المثلى لقراءة كتاب بحيث لا يتبخر ما قرأه المرء في اللحظة التي يغلق فيها دفتي الكتاب.

والحق أن سؤالاً كهذا مهم وجوهري، ليس لأنه يدل على الحرص والرغبة في تجنب  تضييع المكتسبات الفكرية الثمينة فقط، بل لأنه يكاد يكون هاجساً لدى جميع القراء على اختلاف أذواقهم ومشاربهم وانتماءاتهم.

ما ينبغي أن أنبه إليه قبل أن أجيب على السؤال أنني أنا نفسي لا أسلم من علة نسيان تفاصيل الكتاب بحيث لا يبقى منه في رأسي سوى خطوطه العريضة، وأحياناً ما دون ذلك. لا تعني قراءتي لمئات الكتب أن عقلي قادر على الاحتفاظ الفعلي بصفحات هذه الكتب مرتبة ومؤرشفة وجاهزة للاستخدام، فكاتبة هذه السطور – كما سائل السؤال- تعاني من علة القراءة السريعة والنسيان السريع، تصديقاً للمثل القائل: “ما يأتي سريعاً يذهب سريعاً”.

والشاهد على علة النسيان هذه أنني بعد أيام معدودة من قراءتي روايةَ ملائكة وشياطين لدان براون – وهي رواية جميلة بمناسبة الحديث عنها- كنت جالسة مع والدي وتطرّق بنا الحديث إلى موضوع “محامي الشيطان”*.

محامي الشيطان؟

بدت ذاكرتي البديعة أشبه بصفحة بيضاء قاحلة، هل سمعت بهذا التعبير مسبقاً؟

بدوت ضائعة وكأنني أسمع التعبير للمرة الأولى، حتى بدأ والدي بشرحه، وحينذاك فقط استطعت أن أتذكر أنني قرأت شيئاً كهذا في الرواية. استمر الحديث، وبدأ والدي يتحدث عن طريقة انتخاب البابا بالتفصيل معتمداً على أحداث الرواية، ووجدت أنني لا أذكر من كل ذلك إلا عزلة الكاردينالات والدخانين الأبيض والأسود وأموراً متفرقة أخرى.

لا أعلم ما كانت المشكلة تماماً، فبرغم كون الرواية متسارعة ومليئة بالأحداث ، فأنا قرأتها بكياني كلّه، بعينين مفتوحتين وذهن حاضر، ومن المعيب -حتى على ذاكرتي محترفة النسيان- أن يصل الأمر إلى هذا الحد المذهل بعد أيام فقط.

كانت هذه إذاً المقدمة التي أردت البدء بها قبل أن أعرض السبل التي تعين على تجنب ضياع المعلومات المقروءة.

وأبدأُ بعرض أسهل الطرق المتاحة لذلك، وأعني بها أن تناقش الكتاب مع صديق، وإذا كان صديقك قد قرأ الكتاب بحيث لا يكتفي بالإنصات إليك بل يشاركك أفكاره وانطباعاته فسوف يكون الأمر أنفع إذ قد يذكر نقاطاً لم تركّز عليها وبذا تنتفعان معاً.

الطريقة التالية أن تنقد الكتاب، اكتب ملخصاً عنه، سجل ما أعجبك، واذكر ما لم يعجبك. لست أدّعي أن ذلك سيحفظ الكتاب تماماً في ذهنك لكن إعادة المعلومات بهذه الطريقة المرتبة المتوافقة مع تفكيرك سيؤدي إلى دوامها لمدة أطول. والجميل في الأمر أنه حينما تضمحل معلوماتك حول الكتاب بشكل شبه تام، ستكون قراءة الملخص الذي كتبته كافية لإنعاش ذاكرتك، وأشبه بمفتاح للعلبة الذهنية التي تخبئ فيها متعلّقات الكتاب.

بعض القراء يعمدون إلى كتابة انطباعاتهم على الصفحة الأخيرة من الكتاب فور انتهائهم منه. أنا لا أفضّل ذلك، لأسباب عديدة منها أنني أكون متخمة فكرياً عند انتهائي من القراءة وغارقة تماماً في جو الكتاب، ومتكاسلة عن الكتابة، ولسبب أهم: أنني سأعرض ما أكتبه ليستفيد منه غيري.

ربما لو كنت أحتفظ بالكتابات لنفسي لكتبت مباشرة وبحرية أكبر، لكنني في العادة أنتظر حتى أجمع كل النقاط التي أود الحديث عنها، ثم أكتبها، وإذا تأخر الأمر بضعة أيام، غالباً ما تصبح التدوينة أمراً من الماضي ولا أعود قادرة على كتابتها.

المشكلة الكبرى لهذه الطريقة أنها مع مرور الوقت تصبح هوساً ومشقة، ليس الأمر حالة فردية فاثنتان من القارئات اللواتي أعرفهن يؤرقهن هاجس الكتابة أيضاً. قد يصل الأمر إلى حد التحايل على الكتاب بتأجيل إنهائه، أو قد يتحول إلى حالة أخرى ابتدعتُها، وهي مصيبة تسمى: “سأقرأ الكتاب ثانية”. وتعني هذه العبارة ببساطة أنني متكاسلة عن كتابة تدوينة تخص الكتاب إما لأنني لم أقرأه كما ينبغي أو لأنني أخشى أن أكتب تدوينة غير مكتملة العناصر أو لأنني لا أملك الوقت للكتابة أو بدافع من الكسل فحسب، وبذلك فإنني أؤجل عبء كتابة التدوينة إلى القراءة الثانية المفترضة التي لا تتم عادة أبداً.

العارض الأكثر وضوحاً لهذه الحالة وهو ما يقرّبها إلى الإدمان، أنك تشعر بنقص شديد حين تقرأ كتاباً فلا تتحدث عنه، برغم كل الأسباب التي سبق أن أوردتها وعلى رأسها عدم الرغبة أصلاً في الكتابة عن الكتاب. أعلم أن المسألة غدت متناقضة لكن الأمور تتم فعلياً على هذا النحو.

الطريقة الأكثر نفعاً والأكثر صعوبة لقراءة كتاب، أن يقرأه معك قلمك. وأعني أن تمسك بقلمك وتضع خطاً تحت ما يعجبك أو ما يثير اهتمامك أو ما تريد أن تتوسع في موضوعه لاحقاً، وفي حال كنت مثلي من المصابين بوسواس نظافة الكتاب حتى مع استعمال قلم الرصاص يمكنك وضع معقوفين حول ما يعجبك مع الانتباه إلى أن ذلك قد يؤدي بك إلى عدم الانتباه إلى هذه العلامة في حال عدت إلى الكتاب لاحقاً.

عندما تمسك قلم الرصاص تغدو أكثر شجاعة، تناقش الكاتب في أفكاره التي أوردها، تهزأ منه أحياناً بعبارات مقتضبة قرب كلماته، تصحّح له، تنتقده، توافقه، ترسم له وجوهاً ضاحكة حينما يعبر عن أفكارك بجلاء أو حين يأتي بما يثير دهشتك وإعجابك. وحين تنتهي من الكتاب سيكون لديك فيه كتاب آخر كتبته أنت، وكأنقاض المدن الأثرية متعددة الطبقات التاريخية، ستكون تعليقاتك البناء المديني الأكثر حداثة.

ما الذي سيحصل إن حاولت العودة إلى الكتاب لاحقاً؟ ستمرّ على العبارات المخطوطة والعلامات المتناثرة والتعليقات وستتذكر كل شي. ستكون آثارك أشبه بمصابيح مضيئة تملأ فراغات ذاكرتك.

المصيبة مع هذه الطريقة أنها متعبة أكثر من التدوين عن الكتاب بعد انتهائه، وشبه مستحيلة بالنسبة إلى الكتب الإلكترونية، وكارثية بالنسبة إلى الروايات. لا أتخيل نفسي أقرأ “كبرياء وهوى” لجين أوستن مع قلم في يدي!

موقف كهذا سيكون بالغ السخف، إلا لو فكرتُ في “دراسة” الرواية، وعادة لا أقرأ الروايات للدراسة.

صحيح أنني أتركها تعلمني إلى الحد الاقصى، لكنني لا أفضل فكرة تحويل لذة قراءة رواية إلى “دراستها”.

اتبعت هذه الطريقة مع عدة كتب كان آخرها العواصم من القواصم لابن العربي وقد جعلَت من قراءة الكتاب متعة.

آخر الحلول، أن تكرر القراءة، وهذه طريقة مضمونة تماماً، أو لنقل شبه مضمونة، وأستشهد هنا بالقول المتداول بكثرة في المنتديات والمدونات العربية المتخصصة بالكتب، والمنسوب إلى العقاد، ومتعدد الروايات إلى حد أنني بدأت أشك في نسبته، القائل بأن قراءتك لكتاب جيد ثلاث مرات خير لك من أن تقرأ ثلاثة كتب جديدة (أو مفيدة بحسب اختلاف الروايات :)، ولعلني الآن أضفت رواية جديدة).

مشكلة القراءة الثانية أنها تحرمك من قراءة كتاب جديد، وعلى القارئ أن يوازن بين نفع إعادة القراءة مع ما فيها من استدراك لما لم يكن قد انتبه له في القراءة السابقة، وتثبيت لما قرأ، وبين أن يقرأ كتاباً جديداً.

أتطرق هنا سريعاً لداء المكتبات ومعارض الكتب، وهو يشملني ضمن غيري، فخزائني لم تعد تتسع للموجود من الكتب، والإجراء الاحترازي الأخير الذي اتخذته كان قراراً بالامتناع عن الذهاب إلى معرض بيروت القادم. كنت مؤدبة جداً العام الماضي فالتزمت بقائمتي، أحضرت ما وجدت ولم أسمح لنفسي بالاستسلام لإغراء الرفوف، لكن ذلك في الوضع الحالي غير كافٍ، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار عداد 2010 المسكين المتوقف حالياً عند 34 كتاباً يتوقع أن تصل في أيام إلى 35 بإنهائي لرواية مطر حزيران.

خلاصة الأمر: إذا كنت قارئاً جديداً لم تطله عدوى تكديس الكتب بعد فاحذر! وفي كل الأحوال استعن بالله واقرأ!

أعاد الله عليكم العيد باليمن والأمان.

🙂

* صفحة محامي الشيطان على ويكيبيديا: هنا، وإن كان التعريف لا يطابق ما ورد في الرواية.

4 تعليقات to “أن تُغلق ذهنك على كتاب!”

  1. محمد الجابري Says:

    رائعة هذه التدوينة .. أعجبتني كثير ، والحمدالله أنا ممن يقرأ مع قلم الرصاص والأمر لا يخلو من الإبتسامات أو الإحلات أو بعض الألفاظ التى تبين رأيي من أمثال ( هع ، مبااالغة ، نعم .. ولكن، ..الخ) و مع هذا أنا مصاب بمرض “سأقرأه مرة ثانية” ^^ وكثيرا ما أنسى تفاصيل الكتاب بل وحتى الخطوط العريضة

    وأما بالنسبة للتدوين فكما ذكرت .. تأجيل التدوين يعني عدم الكتابة ، ووجدت الحل جزئيا بفضل موقع “قود ريدز” http://www.goodreads.com/user/show/835684

    إذ أحرص على تدوين انطباعي عن الكتاب الذي انتهيت منه ولو بعبارات مختصرة .. وأفادني في تدوين بعض الإقتباسات الجميلة و التى تصلح للنشر العام ، مثل عبارة العقاد التى وجدتها في كتابه “أنا” والتى تقول “هذه الندرة في الكتب التى تيسرت لي أيام التلمذة وما بعدها علمتني دستور للمطالعة أدين به إلى الآن و خلاصته أن كتابا تقرأه ثلاث مرات أنفع من ثلاثة كتب تقرأ كلا منها مرة واحدة”

    أشكرك أختي على هذه التدوينة الرائعة ..

  2. محمد Says:

    في الغالب الكل يعاني من هذه المسألة.
    حقيقة تدوينة مميزة عرفتنا ببعض الأمور التي يجب الانتباه لها.
    ثم كذلك الشكر لصاحب السؤال .
    شكرا
    تحية طيبة

  3. Salma Says:

    و الله كلامك صحيح يا ورد
    و أنا من هؤلاء المدمنات على الكتابة عما أكتب، حتى بت أفتعل تأجيل إنهاء الكتب حتى لا أكتب عنها…
    آخر مرة قررت ألا أكتب عن اي كتاب أقرأه، حينها أنهيت أربع كتب دفعة واحدة
    لأعود ثانية و أصاب بالهوس الكتابي
    بعض الكتب تجعلك راغبة بكتابة مؤلف كامل…
    لكن السؤال لم يريد المرء أن يتذكر ما قرأ؟ أنا متأكدة أن ما قرأه المرء قد أثر على الدماغ و نموه حتما، سواء تذكره أم لم يتذكره… شو بهم << هيك عن بقنع نفس بعدم أهمية تذكر ما قرأت
    p: ابقي طلي علينا بالجسد شي شوية
    سلام

    • وردٌ شاميّ Says:

      أهلاً سلمى،
      أوافقك في أن ما يقرأه المرء لا بد أن يؤثر عليه بطريقة أو بأخرى، لكن الحسرة ستطل برأسها لا ريب إن أغلق الكتاب، فوجد نفسه لا يتذكر منه شيئاً، أو لا يتذكر إلا أقل القليل.
      أقوم بإضافة مكتبة جديدة إلى غرفتي الآن، لأن كراتين الكتب قد ملأت المنزل.
      وبانتظار المكتبة كنت أقوم ببعض عمليات الترتيب، فبدأت تظهر من تحت الأنقاض كتب قرأتها منذ أمد بعيد، وكتب كانت على لائحة الانتظار منذ أمد بعيد أيضاً. المشكلة أنني عندما حاولت تذكر شيء مما يحتويه بعض هذه الكتب، لم أحصل إلا على أفكار غائمة يصعب تشكيلها في كلمات، وهي نتيجة مؤسفة فعلاً.
      بالنسبة لمكتبة الجسد، خذيها مني أووفاً طويلة عريضة، عليّ أن أقرا شيئاً قبل ان أظهر هناك، وأنا تقريباً لا أقرأ شيئاً سوى كتب الشريعة، تقدمت بست مواد أحسب أنني أبليت فيها بلاء حسناً جداً ولا يزال أمامي مادة الأسبوع القادم. وكلية الهندسة بدأت متزامنة مع تقديمي للامتحانات الأخيرة في الشريعة فاضطررت للتغيب (تخيلي، تغيبت عن كلية الهندسة!) والوضع إجمالاً مفشكل جداً.🙂
      كنت أفكر في إحدى المحاضرات الهندسية المملة بأهمية انتسابي إلى مكتبة الجسد، فضميري على الأقل يشعر بالانتماء إلى مجتمع من القراء ويؤنبني عندما أتغيب عنه طويلاً.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: