اليابان..من بلجيكا هذه المرة!

إن لها تلك القدرة الخارقة على انتزاع الضحكات وقذفها في الهواء مع كل جملة تخطها في كتابها، إنها ملكة الهزء المتوّجة، ولو أنني أردت أن أمثلها شرقياً لقلت: إنها عزيز نيسين البلجيكي!

تملك إميلي نوتومب عبقرية السخرية، وفي كتابها المعنون “ذهول ورهبة”، تحمل الناس بقوة على الضحك حتى عندما يتعلق الأمر بمخلوق يندر أن يقرن الكتب بفن الضحك مثلي.
تقص المؤلفة في كتابها ذي السبعين صفحة وقائع ما رافق عملها في شركة يوميموتو، إحدى أكبر الشركات في اليابان، وكيف تدرجت في عملها بثبات وعزم نحو الأسفل! وذلك قبل أن تقودها موهبتها الكتابية إلى إصدار روايتها الأولى “نظافة قاتل” بعد تركها العمل مباشرة، وتتوالى أعمالها الأدبية لتصل إلى مرحلة ينتظر فيها الجمهور جديدها كل عام ويحتفي به كحدث أدبي سنوي، وقد حصلت روايتها “ذهول ورهبة” على الجائزة الكبرى للأكاديمية الفرنسية لعام 1999.

تقدم إميلي بشفافية وقدرة مدهشتين، النظام المنضبط والمتدرج للعمل في اليابان.. الخنوع الياباني للمسؤولين المباشرين وغير المباشرين، ومرض تقديس العمل المعروف والغريب والمتفشي عند اليابانيين، كل ذلك بسخرية عجيبة متقنة، ومستمدة من تجربة شخصية دافئة.

ولا تغفل في خضم ذلك وصف الكبرياء العنيد لشعب بلاد الشمس المشرقة تجاه “الأجانب” عموماً والشعب الأبيض خصوصاً، وهو كبرياء يفضي بهم إلى أشد حالات الامتعاض إن أدركوا أن أجنبياً دخيلاً يتقن لغتهم.

ما فاجأني لم يكن هذا العنت المتوقع لدى اليابانيين تجاه كل ما يمكن أن ينافسهم في أرضهم وهم الذين ما يزالون مصرين على دمج كل الحداثات التي يستوردونها من الغرب بطابعهم الأصيل، فقراءتي المزامنة لـ”غابة المرايا اليابانية” لمحمد عضيمة_والكتاب كان بالمناسبة فرصة ثانية للقاء نوتوهارا سان على الورق وكشفاً لكثير من الحقائق عنه جعلتني أطمئن إلى حكمي على كتابه السابق_ ما كنت أقوله أن قراءتي المزامنة هذه وأنا على وشك إنهائها، جعلتني أوافق “إملي سن” على كثير مما أوردته بسهولة ويسر، وما أثار عجبي إذاً هو الوجه الجديد الذي اكتشفته للكبرياء الياباني، وأعني الجانب الذي يقول بأن “عقل الياباني أكثر تفوقاً من عقل الغربي”، وهو الأمر الذي سيقنعني تماماً بأن أي ابتسامة “يابانية” قد تقدم لي أو لمن يماثلني في العروبة ستكون ابتسامة يابانية خالصة (وابتسامة يابانية تعني بالمناسبة ابتسامة يابانية ولا يمكن تفسيرها بشيء سوى ذلك، إنها تشبه في ذلك الابتسامة الصينية التي تكلم عليها المفكر فهمي هويدي في كتابه “الإسلام في الصين” والتي لا تمت إلى الود بصلة)، أي ابتسامة يابانية ستقدم إلى عربي إذاً ستخفي وراءها جملة من النوع الآتي: هذا عقل عربي فائدته الوحيدة أنه نائم على النفط، مع أنني شخصياً لست نائمة على النفط بل على البارود.

وإذا كان الياباني ينظر إلى الغربي بهذه الدونية والعنصرية، فأنا لا أتوقع لشعوبنا المكللة بالإنتاجات الزاهرة شيئاً يفوق ابتسامة يابانية.

قراءة هذا الكتاب، والدخول أعمق في بنية المجتمع الياباني، جعلتني أرى بعض الصدق وبعد النظر في الموقف الذي تتخذه صديقتي من الشعب الأصفر كلما تداولنا أمره في مناقشة ثم اختلفنا وكثيراً ما نفعل..يمكن اختصار انطباعها عن اليابانيين بـ “شعب الروبوتات المتعصبة”، ورغم أن الكثير من الحقائق تتكشف لي كلما قرأت أكثر فإن فكرة مبدئية مفاجئة بدأت تتضح معالمها، ذلك أن اليابانيين شعب متقدم لا ريب، غير أن تقدمهم هذا قائم ويا للعجب على أمور مرَضيّة وغير متوقعة، وفي مجتمع يعتبر الفردية وصمة عار لا تمحى كما استطعت أن ألمس في كثير من قراءاتي، يبدو الانتحار المكرس كبطولة في الثقافة القومية الحل الأمثل، ويحطم اليابانيون بذلك أسطورة الشعب المرفّه والسعيد، بأرقام قتل وانتحار لا تتناسب مع مستواهم العالمي.

كانت السيرة الهازئة التي قدمتها نوتومب، لعملها في بلد أحبته واعتبرته وطنها، شيئاً خيالياً في ظرفه وفي عبقرية طرحه، ولولا شطحة أو اثنتان في الكتاب لدخل قائمتي الذهبية دون تردد.

الأوسمة: , , , , , , ,

2 تعليقان to “اليابان..من بلجيكا هذه المرة!”

  1. رشا Says:

    أعجبني كثيرا تقديمك للكتاب فقد استمتعت بقرائته

    إميلي نوتومب كاتبة قرأت عنها ا كثيرا و كان ذلك عن كتابها بيوغرافيا الجوع

    شعب اليابان مثير للاهتمام وقد شدني ما قلته عن تطورهم القائم على أشياء مرضية و غير متوقعة لكني أظن أنه لا يحق لنا الحكم عليهم لمجرد أن معتقداتنا تختلف عن معتقداتهم حتى وإن كانوا يقدسون الانتحار

    لك ياسمينة : )

  2. فصولها ربيعية Says:

    ها أنا يا وردٌ شامي

    سأقرأه بإذن الله

    وإن راقني فسأكمله بالطبع ، إذ أملك عقدة عدم الإكمال لما يصيبني بالملل

    وإن تم هذا أو ذاك

    لعلي أعود لأخبركِ

    حتى ذلك الحين كوني بخير

    وشكرًا شكرًا لكِ / وردة لكِ

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: