حقيقة الخديعة.. ناسا في مهب الريح.

لا أخويّات هذه المرة، لا صراعات دينية قديمة تقطر دماً، الهدف اليوم هو ناسا!

وكالة الفضاء الأميركية، إحدى أكبر الرموز الأميركية الراهنة وأكثرها قوة تغدو في رواية براون الساحرة، هدفاً للتشكيك.

لا يمكنك كما الكاتب نفسه أن تتخذ جانباً في الصراع الدائر، والنهاية نفسها لم تتخذ جانباً: بوسطية عجيبة مثقلة بالأحداث العنيفة، يعرض الروائي الفذ مواضيعه الشائكة بطرفيها الذين يبدو أحلاهما مراً وبسيّر قصته المفعمة بالحياة.

سلبيات:

رغم روعته، لم يكن العمل بتقديري مكتملاً، إذ شابته بعض العيوب:

  • كالعادة أقحم براون الشخص الأكثر بعداً عن الاشتباه في قلب المؤامرة: يقضي تكتيكه المعروف بأن يبعد إحدى الشخصيات بمبالغة عن موضع الاشتباه ثم يلصق – بمفاجأته المعهودة – جميع الأمور بها. هذا التكتيك يبقى ضعيفاً رغم براعة العمل الروائي، يبدو براون في هذا المجال بعيداً عن أن يقارن بكريستي، سيدة العمل البوليسي.

تعطي كريستي قارئها الأدلة كلها ولكنها تخفي قاتلها ببراعة. على عكسها، يعطي براون قارئه أحاسيس مغلوطة ثم يمكر به في نهاية الأمر. لا تكون الأحاسيس وحدها هي المخطئة: يمكن للقارئ أن يشعر بأن أمراً ما قد أُغفل في زحمة الأمور المطروحة، أمراً خُدع به ولا يملك لفرط حماسته الرجوع إليه.

  • النقطة الثانية هي العلمية المبالغ فيها. قد تبدو قدرة الكاتب في رواياته الأخرى على إجبار قارئه على قراءة صفحات من الكلام الأكاديمي مثيرة للإعجاب، لكن في روايته هذه، كان الأمر معكوساً.

لا أنكر أنني استمتعت بقراءة الشرح العلمي المفصل لبعض الظواهر الحيوية خصوصاً وأن براون يدخل بثقله الروائي كاملاً فارضاً متعة عميقة في اكتشاف أسراره العلمية. المشكلة فقط أنني ورغم تخصصي العلمي، ورغم أن المواضيع المطروحة سواء الفضائية منها أو المحيطية لم تكن بعيدة عن دائرة ثقافتي، وصلت إلى مرحلة من السأم أغفلت خلالها بعض المقاطع المملة التي تخللت الرواية. كانت بضع صفحات لا أكثر، لكن ذلك باعتباري سقطة صغيرة لسيد التشويق الروائي: قارئ يغفل بضع صفحات من كتابه.

  • النقطة الأخيرة هي طريقته السيئة في عرض الثقافة الأميركية الفجة التي لا تعترف بالأدب حدوداً. يشعر المرء بذوقه يخدش عند قراءته بعض تعابير الكتاب الفظة. وضعت بعض اللوم على المترجم لأنه لم يحور النص ليقلل من ابتذاله، لكنني عدت إلى التفكير في أن ذلك لن يقود إلى ترجمة امينة، ويبدو الأمر برمته مشكلة عويصة بالفعل.

في ما عدا ذلك، العمق التحليلي للنفوس، الأحداث المتسارعة، الخيوط الكثيرة المتشابكة، التشويق المتقن، الحنكة البارعة في إخفاء الأمور وكشفها، تأرجح موازين القوة سريعاً ولمرات عديدة على امتداد العمل، اللغة الرشيقة، الشخصيات الواقعية، والأهم الرؤية القريبة لعالم البيت الأبيض والصراعات الانتخابية القذرة، تلك الرؤية التي لا تبدو متاحة خارج ذلك للقارئ العربي، يضاف إلى ذلك وسائل الضغط السياسي والقوى الإعلامية، وحقيقة النزاع الخفي على الفضاء، كل هذه الأمور تجعل الرواية عملاً جديراً بالتقدير.

بطاقة الكتاب:

اسم الكتاب:حقيقة الخديعة.

اسم الكاتب: دان براون.

المترجم: فايزة غسان المنجد – محمد فداء ممدوح الهاشمي.

دار النشر: الدار العربية للعلوم ناشرون.

عدد الصفحات: 423  صفحة.

السعر: 10 $.

الأوسمة: , , , , , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: