الرمز المفقود × ملائكة وشياطين

.

لئن كان في وسع المرء أن يطلق في حق دان براون تعبيراً واثقاً وصحيحاً، فهو أنه داهية. فالأحداث التي يربطها بذكاء في روايته تجعل قارئه يفقد زمام نفسه ويترك كتابه لثوان متخيلاً القدرة الروائية الفذة التي مُنحها هذا الكاتب.

قرأت مؤخراً روايتين له، وأعني “الرمز المفقود” و “ملائكة وشياطين”، وكنت قد قرأت له سابقاً “شيفرة دافنشي” و “الحصن الرقمي” ولا يزال في القائمة رواية أخيرة هي “حقيقة الخديعة”.

صدرت النسخة العربية من “الرمز المفقود” منذ فترة قريبة، والحق أن السرعة التي صدرت بها النسخة العربية تزيد ثقتي بأن الإقبال على القراءة لا بد أن يحرك العقلية التجارية لدور النشر لتبلغ بعض ما بلغته حركة النشر في الخارج. لا أقصد روايات براون وحدها، فهي ليست إلا دليلاً مبدئياً على أن اهتمام القارئ العربي قادر على تحريك خمول حركة الترجمة والنشر.

بعيداً عن فكرة النشر تلك، وبالعودة إلى براون، لا بد لي من أن أشير إلى قدرته الفذة على إدخال الفلسفة في رواياته بطريقة مبتكرة. ليس إدخاله ذاك حدثاً عرضياً في أحداثه المتسارعة إذ إنه على العكس من ذلك محرّكها الوحيد. يتميز براون علاوة على ذلك بسينمائية عالية ولا بد أن تحويل كتبه إلى أفلام شكَّل متعة. أخويات قديمة وجرائم متوحشة وأسرار دفينة وأحاجٍ غامضة وتشويق على امتداد مئات الصفحات، لا ريب أن كتب براون حققت عشرات الملايين من النسخ المباعة، فعلى غلاف النسخة العربية التي أحملها من “ملائكة وشياطين” سُجل رقم المبيعات العالمي: 27 مليون نسخة! وإن أخذنا بعين الاعتبار أن هذه الرواية رغم تألقها ووضع الكثير من القراء لها في المركز الأول، ليست الرواية الأكثر شهرة، إذ إن “شيفرة دافنشي” كانت تذكرة عبور براون الأقوى إلى العالم، لاستطعنا أن نتخيل حجم الانتشار الذي حققته كلماته.

القارئ لروايات براون يستطيع أن يحدد محوراً تدور حوله أفكاره: الصراع القديم المتجدد بين الكنيسة والأخويات على تنوعها واختلاف غاياتها. لكن قدرته الفلسفية ليست واحدة في جميع ما كتبه. ورغم أنه يحاول الإشارة إلى الصراع بين الدين والعلم على أنه صراع كوني، فإن القارئ الذي يشاركني الانتماء لا يسعه إلا أن يعلّق: نحن خارج اللعبة!

للعرب والمسلمين حضور في روايات براون، لكنه حضور هامشي، بل ليس من مبالغة في ملاحظة أن ذكر الإسلام في التعداد الفلسفي الذي تسلكه الروايات هو لمجرد كونه أحد الأديان السماوية، جزءاً من معنى الدين العالمي، ومصدراً لواحد من أقوى الصراعات التي خاضتها الكنيسة، لا أكثر ولا أقل.

بعكس الخرافات والتشوهات التي أصابت الدين المسيحي، والتجاوزات المؤلمة التي مارستها الكنيسة مع العلماء، والتي أدت إلى نشوء الجمعيات السرية، معينِ براون الأخصب، يبدو الإسلام إذا استعملنا تعابير الكاتب نفسها: لغة صافية.

وبعكس الزخم التشكيكي الهائل الذي أفترض أن براون المراوغ يبعث به إلى القارئ المسيحي، شعرت بنفسي مراقبة بعيدة تمر في ذهنها كل لحظة الكلمة الأولى التي أسست لانطلاق الإسلام: اقرأ.

وإذا كانت الكنيسة في مواجهة ذكاء براون وسعة حيلته في كتبه، وأعني على وجه التحديد “ملائكة وشياطين” خصماً أعزل، فإن مبدأ اتحاد الدين والعلم الذي يعيه أغلب المسلمين حتى البسطاء منهم، كان كالجرم المنير في ظلمة التخبط الفلسفي لأشخاص الكتاب. ليس هناك من صراع، كان الهدوء الذي شعرت به وأنا أتحسس المبادئ الثابتة التي أقف عليها أمراً مطمئناً إلى حد الارتعاش.

عند اقترابي من نهاية “ملائكة وشياطين” كان شكل من أشكال الصدمة يسيطر علي، فلصفحات بدا وكأن براون قد أصبح كاثوليكياً شديد الإيمان ومبشراً بعهد المسيحية الجديد، لكن الصفحات المتبقية لم تكن قليلة، وبالاعتماد على بعض الإشارات القليلة المبثوثة هنا وهناك، شعرت بالأمر: براون يحضّر لخدعة! وكان ما افترضته صحيحاً: تنتهي الرواية دون أن يكشف السر إلا لعدد قليل من الأشخاص، فيما يظن العالم كله أن ما حصل كان معجزات العصر الجديد، لكن من يأبه لما يظنه الناس في الرواية إن كان العالم الحقيقي، أي قراء الرواية، قد مُررت لهم الرسالة المخفية؟

في نهاية الرواية كانت الصورة الأكثر إلحاحاً هي التي اقترنت بالكاردينالات كما وصفهم الكتاب في وضعهم النهائي: عجائز طيبون. إنها الخلاصة التي يراد لنا استنتاجها: الدين شيء لطيف، يا للعجائز الطيبين الذين لا نريد لهم الضرر، لكن بحق الله أزيحوهم جانباً ودعوا علماءنا يسيّرون الأمر!

هذا ما شعرت أن الخاتمة، المحبوكة بعناية شديدة البراعة كما الكتاب كله، أرادت قوله. وإن كان حصر الأفكار التي بثها الكتاب بهذه الفكرة أمراً بالغ الإجحاف، ففكرة اللاأخلاقية في العلم، والأسلحة والاكتشافات التي تتمثل دائماً في حدين، والتطور العلمي الذي لم يواكبه تطور أخلاقي يقنّنه، وتأليه العلوم، وتوحيد العلم والدين، واستعمال العلم الحديث لحل مشكلة الخلق وإثبات وجود الله، جميعها افكار كانت حاضرة بقوة إلى جانب المحور الرئيسي.

أعترف أنني رغم انتمائي الديني المخالف لطرفي الصراع الدائر في الرواية كنت أميل إلى أحدهما، ولم أستغرب ذلك، فالأمر ذكرني على الفور بموقف المسلمين الأوائل من الصراع الذي كان قائماً بين الامبراطوريتين الأكثر قوة في ذاك الزمن: الفرس والروم. كان اختياري منذ البداية واضحاً، لكن حذراً. أثناء القراءة، يتعلم المرء من الأخطاء التي ارتكبها متبعو الأديان الأخرى فحادت بهم عن عقيدتهم الصافية وجعلتهم يقعون في مغالطات جرّت أممهم نحو هاوية الإلحاد.

ما يُحسب للكاتب في رواياته التي سبقت الرمز المفقود حياديته المبطنة، أعني بذلك أن القارئ لا يكون واثقاً أبداً إن كان الكاتب يعتقد شيئاً من كل ما يكتبه. مراوغة براون في رواياته السابقة مثيرة للإعجاب فهو يعرض الأفكار كلها بقوة وتعمق يستحقان التقدير، ثم ينسحب ليعرض أفكاراً أخرى دون أن يلزم نفسه بشيء.

لكن.. في الرمز المفقود، الرواية التي يفترض أنها تتويج لسنوات من الجهد والبحث وأربع من الروايات السابقة، بدا براون مختلفاً تماماً: لقد وقع في فخ التحيز.

أوروبا العجوز لم تعد مسرح الأحداث هذه المرة، بل انتقلت الصراعات إلى الولايات المتحدة، بلاد التنوير الجديدة، بتعبير براون. وهنا، لم يكف هذا الأخير عن السقوط.

تشكل لدي عند القراءة الانطباع المعتاد المتعلق بحبس الأنفاس والقراءة المستعجلة، والهرولة هنا وهناك في غوغل للبحث عما يتكلم عليه، والإعجاب بالجهد الذي بذله حتى يخترع كل تلك الأمور. لكن “الفبركة” والإعداد المسبق صادمان هذه المرة، واضحان وضوح الشمس، وغير متناسقين مع جو الروايات السابقة.

أضيف إلى ذلك أن الناحية الفلسفية في الرواية كانت سقطة، فبخلاف “شيفرة دافنشي” و”ملائكة وشياطين” بدا براون متعثراً جداً في منحاه الفلسفي، خصوصاً في الفصول الأخيرة من الرواية، حيث لا يبدو أنه هو نفسه يعرف إلى أين سيصل! لا أظن براون أصاب في اختيار موضوع فلسفته هذه المرة، بدا وكأنه يمسك ألف خيط ويعجز عن الوصول إلى مبتغاه، بل إنه بدا في تفلسفهِ دون غاية أحياناً.

وطوال الرواية لا يسعك إلا أن تتخيله وهو يلهث محموماً في محاولة منه لتلميع صورة الماسونية، لكن، صدقاً، دون جدوى. لا أدري ألم يجد ذلك العبقري الذي جاء ب”شيفرة دافنشي” و”ملائكة وشياطين” حججاً أقوى من تلك التي عرضها؟ حتى أبسط القراء بخلفية متواضعة عن الماسونية، سينتبه إلى أن الكاتب أخفق في مراده إخفاقاً تاماً. وما يثير الأسف فضلاً عن ذلك، أن دان براون، الذي كان تملصه من حمل ما يكتبه مثيراً للعجب، ألقى نفسه طواعية ودون مداراة في حضن الدفاع عن الماسونية.

في الروايتين المتناولتين، يتواجه الأب والابن بقساوة ووحشية، وفي كلتيهما، أحد الطرفين لا يدري العلاقة الحقيقية التي تجمعه بالطرف الآخر، لكن الصدمة في “ملائكة وشياطين” أقوى وقعاً من تلك التي نجدها في “الرمز المفقود” حيث يجد المرء نفسه في الأخيرة مخدوعاً مع تبرير لا يقنعه، وأعتقد أن من قرأ الرواية سيفهم ما عنيت.

وفي الروايتين أيضاً، يطغى فن العمارة بشموخه وسطوته وتعاقب الفنانين عليه وأثرهم فيه، تُذكر معالم وسمت وجه الارض بعظمتها، وتشكل هذه الكنوز المعمارية القديمة مسرحاً لمغامرة هائلة حديثة، ينظر القارئ إلى هذه التركة الفنية بكل ما تحتويه من تحف ولوحات، بل إلى الإنتاج الفني كله في العصر الذي تتناوله الرواية نظرة مختلفة، نظرة من اكتفى حتى الآن بالقشور، دون أن يمحّص في حقيقة ما خبأه الفنانون بعناية في أعمالهم، يفطن القارئ إلى علاقات جديدة لم تخطر له ببال، ويخترقه شوق إلى المعرفة: إنها القدرة العجائبية لبراون! لكن دعونا نقارن بين الفاتيكان في الرواية الأولى وواشنطن في الرواية الثانية: فيما تعطيك الأولى انطباعاً عظيماً عن مدينة تملأها الإشارات والقبب والمباني الضخمة، وتخرج بك إلى السماء لتلقي نظرة شمولية على شموخ المعالم ثم تهبط بك إلى الأرض لتصف لك أدق التفاصيل، وتشعرك وكأنك فعلياً داخل سراديب المدينة القديمة تستشعر خطراً بمحوها، تبدو الرواية الثانية عاجزة رغم غناها الشديد عن ذلك.

ليست الرمز المفقود عملاً مخيباً تماماً، فهي بمعزل عن العملين السابقين: “ملائكة وشياطين” و”شيفرة دافنشي” عمل جدير بالتأمل، لكن المقارنة بينها وبين هذين العملين تثير التساؤل: هل وصل دان براون إلى ذروته الأدبية وبدأ فعلياً بالهبوط؟

الأوسمة: , , , , , ,

7 تعليقات to “الرمز المفقود × ملائكة وشياطين”

  1. أبو حسن Says:

    قراءة جميلة ومحفزة وتدل على مقدرة نقدية كبيرة…

    بالتوفيق ورد…

    ديري بالك… كلية الهندسة غدّارة…

  2. طه Says:

    الحقيقه اني احبطت تماما من الرمز المفقود .. ولعل ذلك بسبب انني كانت امالي عاليه جدا فيها بعد قراءه ملائكه وشياطين وشيفرة دافنشي.. ونظرا لطول فترة انتظارها .. حوالي سنتين ..

    وان شاء الله احاول ان اجمع الرأي النقدي لهذه الروايه في مقال لاني اجد فيها الكثير من السقطات..

    اما بالنسبه لحقيقه الخديعه فهي اسوأ ما كتب على الاطلاق !! فلا ترتفع امالك فيها .. فهي رواية بارده حقا !!

  3. may Says:

    بصراحة تكفيني قراءة أول فقرة من البوست لأكتفي بها وأقرر ضرورة الحصول علي الرواية ، سمعت عنها كثيرا ، والآن اقرأ للورد تمدحها ..🙂

    إذن .. لابد من قراءتها..

    شكرا وردتنا العطرة

    • wardshami Says:

      أهلاً مي،
      أرجو أنك قرأت البوست كله😉 فالرمز المفقود ليست أفضل ما كتبه براون. ملائكة وشياطين هي الأجمل برأيي، لكن ينبغي على المرء أن يكون حذراً أثناء قراءتها بالطبع، بل ينبغي أن يكون القارئ مشككاً تجاه كل ما يكتبه العم دان وإلا وقع في فخه!
      تحية لك.

  4. Pen Says:

    قراءة جميلة
    جذبتني من أولها

    كنت اعتقد أن لكل روائي عمل واحد جيد أو مهم. ولكن أجدني هنا أرجع عما اعتقد..

    يبدوا أنها سوف تكون من قراءاتي قريباً

  5. طلال Says:

    اليوم أنهيت الروايـــــة ؟

    الرواية غنية بلاشك بمعلوماتها و تفاصيلها المشحونة باحترافية فائقة ، ولم تفتقد بظني إلى ذكاء المؤلف الذي اعتدنا عليه إلا بالفصول الأخيرة لها ، عندما بدت وكأنها متعبة ربما من جراء الـ 12 ساعة !

    أجل فإني شعرت قبل نهايتها أنها أشبه شيء بأحجية من بليغ مفوه لم يهتدِ إلى ما ينهي بها مسامرته ، إلا أنها بالرغم من ذلك لا تخلو من التشويق ورائحة التاريخ والأسرار الفواحة بين ثناياها .

    عموماً في ما أسلفتِ ما يكفي وزيادة ، إلا أنني أحببتُ أن أدلي بدلولي في بئر براون ، ولعلي أقوم بكتابة تدوينة تحليلية متواضعة عن دان براون ككل وليس عن الرواية فقط .

    شكراً لك .. 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: