العرب.. وجهة نظر يابانية

من البداية أنبه: هذه القراءة ليست موضوعية!

أنى لها أن تكون كذلك والكتاب حطم أملي في الحصول على معلومات وافية ودقيقة وخيط “ياباني” ما قد يكون معيناً للعرب التعساء؟

عندما “اصطدمت” بهذا الكتاب للمرة الأولى هرعت إلى موقع النيل والفرات للاستزادة من المعلومات حوله. كانت النبذة المرفقة بتفاصيل الشراء إضافة إلى التعليقات التي وضعها القراء مشجعة للغاية، ولأنني معجبة منذ مدة بالتطور الياباني ولأن أحمد الشقيري زاد إعجابي هذا بخواطره الرمضانية الأخيرة فقد أضفت اسم الكتاب إلى قائمتي دون تردد.

بعد أسابيع طويلة من انتظار قدوم الكتاب من بيروت (كنت قد طلبته من مكتبة محلية وعدت بتأمينه ) حصلت على “وجهة النظر اليابانية” البديعة أخيراً.

أنهيت صفحات الكتاب في ساعتين متتابعتين ولم يكن ذلك يقيناً بفضل من إمتاع الكتاب وروعته بل لأنني كنت أتقدم في القراءة باحثة دون جدوى عما يشفع لسبعة آلاف وخمسمئة ليرة (5$) دفعتها ثمناً له.

مجمل ما كان الكاتب يفعله هو أنه كان يثرثر، ويردد كل صفحتين “نحن اليابانيين نفعل كذا، نحن اليابانيين لا نفعل ذاك”، واحتاج مني الأمر وقتاً يوازي وقت قراءته لأفرغ شحنة الغضب التي ملأني بها. كنت أستفيق كل دقيقتين لأقول “نحنا باليابان ما منعمل هيك!”. سخرت من اليابانيين ومؤلفهم المبدع بطريقة كانت لتحبطهم ربما.

واقعياً، يبدو وكأن الكاتب يتحدث عن شعب آخر يشترك معنا في صفة العروبة وفي كثير من الأمور الأخرى لكنه ليس نحن، ليس العرب الذين أعرفهم. أعلم أن الواقع العربي مقيت وبغيض ومؤلم، لكنني لم أشعر بأن الكاتب يُشرّح المشاكل العربية كما ينبغي لباحث “ياباني” أن يفعل، بل إن توصيفه للمشاكل كان قاصراً أيضاً. اعتمد الكاتب تميمة كان يرددها عند كل محور ومنعطف في كتابه: القمع! قمع السلطة سبب لجميع مشاكل الدولة، قمع المجتمع سبب لجميع مشاكل الشعب، قمع الأب سبب لجميع مشاكل التربية. أي تسطيح سخيف هو هذا!

وينطلق الكاتب في عرض ترجماته للأدب العربي، وحركة التعرف إلى العرب في اليابان وحركة الترجمة من العربية إلى اليابانية، ودوره الجليل في كل هذا، ثم يعرض قراءاته للرواية العربية، وما أعجبه من كتب ومن نال استحسانه من كتّاب، كلّ ذلك بأسلوب بعث في نفسي مللاً لا ينبغي له أن يقترن بمواضيع تكون في العادة محببة إليّ.

ويقارن المؤلّف من خلال مواقف عاشها بين المجتمع العربي والمجتمع الياباني ورغم أنه – بالتهذيب الياباني المعروف – يبتدئ حديثه  بالاعتذار والعبارات الملطّفة ويبدو وكأن “المشاعر” العربية تهمه جداً بحيث يعزّ عليه جرحها، فإنه يلقي قنابله دون تحسب ويقارن بين الثقافتين العربية واليابانية بأسلوب لا يخلو من ميل إلى مسقط رأسه واستغراب من الأفعال التي يقوم بها العرب.  في إحدى انطباعاته نجح السيد نوتوهارا الرائع في إثارة غيظي تماماً، كان يتحدث عن مضيف له أشاح بوجهه عن زوجة الياباني عندما قدّم لها فنجانها، وعندما استفسر منه الكاتب عن سبب ما فعله أوضح مضيفه أنه فعل ذلك احتراماً له. ويبدو الكاتب في تعليقه مستهجناً لهذا الفعل، وإذا أردنا أن نتّبع قواعد التهذيب اليابانية فإن استهجانه “مستهجن” أيضاً، فالإشاحة كانت طريقة المضيف لإعلان احترامه وبغض النظر عن رأيه ورأيي ورأي اليابانيين ورأي العرب الآخرين، فإن نية الرجل كفيلة بأن تمنع الجميع من البدء في عقد المقارنات حول أكثر الثقافات رقياً وعصرية. بالمقابل، لم أقم كعربية باستهجان ما يفعله السادة اليابانيون حينما يصحبون أمتعتهم وسياراتهم إلى المعابد ليتمتموا فوقها بتعاويذهم، لكنني سأستهجن بالطبع طريقة المؤلّف الملتوية في عرض التوحيد الإسلامي ومقارنته بتعدد الآلهة الياباني أو حتى اللادينية في اليابان، لا سيما حينما يتوقع القارئ منه تحليلاً أكثر عمقاً عوضاً عن الاسترسال في مقارنات لا طائل من ورائها.

لا يخلو الكتاب من مواقف تظهر تحيز الكاتب لثقافته دون أن يدعّم ذلك باسباب موضوعية، خصوصاً حينما يتطرق في حديثه إلى النساء ويبدو في صورة المعمِّم مرتكباً بذلك واحداً من أكثر الأخطاء القاتلة شيوعاً، ومفقداً القارئ العربي تعاطفه مع العمل.

وفي خضم هذه ال: “أوه، نحن في اليابان لا نفكر كذلك!”، أو “يا إلهي، نحن في اليابان نفكر بالطريقة الفلانية حول هذا الموضوع”، طرح الكاتب أمراً يحسب له وأعني تعاطفه مع القضية الفلسطينية وشرح ذلك من خلال بعض الأعمال الأدبية التي ربطها بتطور زمني لواقع الفلسطينيين وإدراكهم لحالهم.

بعد أن عرض بعض ما أثر به من أعمال غلب عليها الطابع المصري شرح الكاتب الأسباب التي دفعته إلى نبذ الرواية الحضرية وأسلوب العيش المقترن بها والتفكير في نمط آخر.

وكانت الطامة الكبرى حينما بدأ بالحديث عن البدو والطوارق ومؤلّفه الأثير “ابراهيم الكوني”، علِق حينذاك في دوامة لم يبدُ من الممكن إخراجه منها، شيء نسمّيه في البرمجة بالعقدة اللانهائية.. علِق تماماً!

صفحات من الصحراء والرمال والجن والأساطير بتفاصيلها الدقيقة، لم يترك الكاتب فرصة إلا وأظهر فيها ولعه الشديد بعالم البدو.أحمد الله أنني لم أبدأ بمخاطبة الكتاب: هل هذه هي فكرتك عن العرب؟! هل هذه هي وجهة النظر اليابانية؟!

البدو جزء من العرب بلا شك، لكن عندما تكمن المشاكل العربية داخل المدن بل عندما تدور الغالبية العظمى من حياة العرب المعاصرين في مجتمعات حضرية، فما أهمية حديث الكاتب بإسهاب لا معنى له حول إعجابه بالبدو ونمط عيشهم؟

للكاتب حرية اختيار ما يتحدث عنه لكن ينبغي عليه ألا يضع لمؤلَّفه عنواناً فضفاضاً كالذي اعتمده “العرب وجهة نظر يابانية!”، كان الله في عون اليابانيين إن كان هذا هو النمط العلمي الذي يتبعه باحثوهم!

قررت بعد أن قرأت الكتاب أمرين اثنين:

أولهما أن علي أن أكتب هذه التدوينة حتى يكون هناك مقابل واحد على الاقل للمعجبين به على النت، وبذلك أعين من يشابهونني في التفكير على عدم الوقوع في الفخ الذي وقعت فيه.

وثانيهما أنني بفضل نوتوهارا سان لن أقرأ لإبراهيم الكوني الذي كنت متحمسة –في ما مضى- لقراءة إنتاجه، أي شيء.. في المستقبل القريب على الاقل وريثما يزول طعم المرارة الياباني من فمي. في معرض الكتاب الأخير وقفت أمام طاولة مليئة بروايات الكوني ولم أجرؤ على شراء واحدة منها، ولا أزعم ان وجهة النظر اليابانية كانت السبب الوحيد لذلك.

تعليق بسيط في النهاية: هذه التدوينة غير الموضوعية كانت رداً على كتاب غير موضوعي. وقد تختلف الاذواق حيال الكتاب، فأختي كمثال اكتفت بقول ان الكتاب ليس ما يتوقعه المرء منه ولم تصبها نوبة السخرية نفسها التي أصابتني.

الأوسمة: , , ,

8 تعليقات to “العرب.. وجهة نظر يابانية”

  1. rasha Says:

    مرحبا ورد
    كنت قد رأيت الكتاب سابقا ولم أتحمس لشراءه
    لكن الان أثرت لدي فضولا لقراءته

    • wardshami Says:

      أهلاً رشا،
      لا أصدّق أنني حمستك لقراءته!😦
      واثقةٌ أنت؟ ليس الكتابَ الذي أنصح به.
      كتبت تدوينتي كي أنقذ القراء من الوقوع في شرَك الكتاب فإذا بي أقودهم إليه.
      عل كل حال، فلنرَ إن كنتِ ستوافقينني الرأي بعد قراءته.
      دمتِ بخير.

  2. مفرح الأسمري Says:

    يا إلهي .. إلى هذه الدرجة ؟
    لو كان الكتاب رجلاً لدس رأسه في التراب خجلا

    الآن بمجرد النظر إلى الكتاب على رفوف المكتبات
    سيثير إشمئزازي .. سأنظر إليه وكأني أنظر إلى خنزير !

    • wardshami Says:

      حسناً، لم يصل الأمر إلى مرحلة الخنازير.
      كل ما في الموضوع أن الكتاب سيء قياساً إلى ما يتوقعه المرء من عنوانه.

  3. Salma Says:

    جميل يا ورد… يعجبني الذين يعارضون التيار p:
    حسنا لم أكن متحمسة لقراءته بعد أن ملأت صديقتي وفاء الدنيا بأهميته… و الآن لم أعد متحمسة إطلاقا…

    أما الموضوعية فلا وجود لها في الدنيا… فنحن بشر ذاتيون… شئنا أم أبينا…
    لكن الفرق و ضعي خطين تحت الفرق أنك إن كنت من حضارة تملك السلطة فلا موضوعيتك تصير بحثا رصينا… بينما إن كنت من حضارة كحيانة و فايتة بالحيط، فلاموضوعيتك عاطفية…

    و في الحقيقة بت مقتنعة أن كل الشعوب فايتة بالحيط عربا و شرقا شمالا و جنوبا… ما يختلف فقط هو الحيط الذين فاتوا فيه D:
    بأية حال إن أردت كتابا عنصريا مضادا… يعني وجهة نظر عربية عنصرية تجاه اليابانيين فعليك بكتاب غابة المرايا اليابانية لـ محمد عضيمة
    سيجعلك تكرهين اليابانيين و تكرهين المؤلف أيضا p:

    • wardshami Says:

      هييه، سلمى في مدوّنتي!🙂
      وفاء مهتمة باليابان كثيراً على ما يبدو، فهي تقرأ بزخم في هذا الموضوع. لكن آخر كتاب صدمها وغيّر أفكارها كما قرأت في مكتبة الجسد.😉
      الموضوعية لا وجود لها بالطبع، لكن لا أعلم لمَ كنت أتوقع من نوبوأكي سان أن يكون مثال الياباني الفهمان الموضوعي الذي سيحل المشاكل العربية بعصاه السحرية.
      تبهت الصورة اليابانية في مخيلتي يوماً بعد يوم: في آخر ما قرأته من كتب وأعني رواية “اعترافات غايشا” ورغم أن الكتاب أعجبني جداً بحيث بالكاد كنت أستطيع إغلاقه بل إنني قادرة على قراءته مرة ثانية لأستعيد التلذذ بالأجواء الموصوفة وجمالها، أقول برغم ذلك، تكونت لدي فكرة سيئة جداً عن اليابانيين في ما يخص ذاك الموضوع إياه إلى درجة أنني لم أعد خَجِلة للغاية مما يفعله العرب على النت، أستطيع القول بالفم الملآن: “روحوا شوفوا شو عم يعملوا شعب اليابان المتحضر بالواقع”. قرأت أشياء يندى لها الجبين وكانت تمر كأنها تقاليد مجتمع!
      كتاب “غابة المرايا اليابانية” سأحرص على اقتنائه وقراءته، وربما أهديه إلى صديقة لي تكره اليابانيين ودقّتهم إلى الحد الذي يجعلها ترى محاسنهم مساوئ، ولا تناديهم إلا بـ “شعب الروبوتات”!

  4. t@rek Says:

    رائع ما اضفته هنا
    نقدك , و مدح أختك ِ لها … مدح قياسا ً لما قلتيه !!🙂

    لكن هنا وقفت حائرا ً
    كيف أعرف الحقيقة ؟

    ليس في موضوع اليابان فحسب
    بل بكل نواحي الحياة

    فحتى أبناء جلدتهم , نقدوهم
    بعضهم بالغ
    و البعض أخفى
    فأين الحقيقة

    أرجو أن ترشديني

  5. Ahmed Saleh Says:

    وجهة نظر وكان للمبدع رأي آخر ..
    شكرا على هذا الرد الرائع ..
    تحياتي إلى صاحبة المدونه ..

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: