العنصرية كما شرحتها لابنتي

لست ضليعة بمؤلفات الكاتب المغربي “طاهر بن جلون”.

قرأت له مرة “تلك العتمة الباهرة” بترجمة مميزة، ولم يتسن لي إكمال الكتاب رغم أنه راق لي بغض النظر عن سوداويته  ” الطبيعية” في ظل الموضوع الذي عالجه.

لا أدري ما كان مسار الحديث الذي قاد زميلتي في الكلية إلى أن تعرض علي نسخة من كتابه “Le racisme expliqué à ma fille”. لم يكن من الغريب بالطبع أن أعلم منها أنها درسته في مدرستها، لأنها تلقت تعليمها في إرسالية، لكن قراءة التعليقات الملحقة بهذه الطبعة قادتني إلى تفسير أكثر شمولية، فالكتاب على ما يبدو شكل محور بحث في العديد من المدارس الفرنسية لأهمية الموضوع الذي يطرحه بالنسبة إلى المجتمع الفرنسي، وكمسار طبيعي وجد الكتاب طريقه إلى المدارس الإرسالية عندنا رغم أن المنهاج الذي تلقته زميلتي كان لبنانياً كما استطعت أن أفهم.

يعالج الكتاب موضوع العنصرية فكرياً وفلسفياً واجتماعياً بطريقة مبسطة كونه موجهاً –كما يدل عنوانه- إلى الأطفال، الفئة الأكثر تقبلاً للآخر ولتغيير الأفكار النمطية عن المجموعات الأخرى ” المختلفة”. يشير الكاتب بوضوح إلى أنها الفئة الأقل تأثراً وانطباعاً بالأيديولوجية العنصرية وأنه من السهل إظهار مساوئه لها.

بعيداً عن ذلك، لا يقوم الكتاب بتسطيح المفاهيم، فالقراء كانوا من الكبار والصغار على حد سواء، بل يذكر المؤلف في نهاية كتابه أن إحدى القارئات أرسلت تقول له أن الكتاب ليس تماماً ما يمكن أن يثير اهتمام أطفال بعمر الثامنة.

يتطرق الكاتب للمفاهيم العامة للعنصرية والاندماج والاستعمار والاختلاف والتفرد والاستنساخ والتقبل والعنصرية المضادة وتساوي الناس في الفكر والذكاء والثقافة رغم اختلافاتهم الإثنية والعرقية والجسدية والثقافية، ويركز على الوضع العنصري الناشئ في فرنسا بين المهاجرين (خصوصاً القادمين من أفريقيا) والسكان الأصليين.

لفت انتباهي في تعليقات القراء المضافة إلى هذه النسخة من الكتاب، استغراب إحدى السيدات من الوصف الذي اعتمده الكاتب للاستعمار الفرنسي للجزائر، شارحة قصتها عندما كانت ممرضة تمد يد العون للأطفال هناك، وكيف فوجئت عندما عادت إلى الجزائر بعد سنوات لتجد رجلاً يصرخ في وجهها عند خروجها من إحدى المحلات بأنه يكره فرنسا والفرنسيين. اعتبرت المرأة أنه ليس من العدل المساواة بين الدولة التي قامت بالاستعمار وبين سكانها.

ما لم أتقبله في تعليقها هذا هو دهشتها من ردة الفعل الجزائرية، فلو كنت قد ذهبت إلى إحدى الدول الإفريقية حيث يتصرف بعض اللبنانيين حقيقة كتجار أشبه بالمستعمرين، وعاملني أحد السكان بعنصرية، فسأنزعج لكنني بالطبع لن أفاجأ. موضوع المفاجأة هذا غير مبرر إطلاقاً فأنا أعلم أن ردة الفعل هذه ستكون طبيعية إذا حاولت تفسيرها من منطلق ما يفعله بعض التجار اللبنانيين هناك، فما بالك إذا كان الوضع عن مستعمر متوحش احتاج إخراجه من الجزائر إلى أكثر من مليون شهيد؟

تعليق آخر من أحد القراء العاملين في منظمة العفو الدولية ذكر فيه أنه لا يشعر بالعنصرية تجاه العرب الذين حملوا إلى فرنسا – كما قال – الجبر والهندسة والأرقام والفلك والطب، ولكنه يشعر بالخوف من الإسلام نتيجة لما يراه في أفغانستان. وعلي أن أشكر هنا جميع المتعصبين الذين لا يتقبلون غيرهم من المسلمين فضلاً عن تقبل من هم أبعد، على جهودهم المثمرة في إخافة العالم من الإسلام، وجعل حياتنا وحياة الآخرين أكثر صعوبة.

تعليق آخر أظهر لي مدى الخلط الذي يمكن للمرء أن يقع فيه: أحد القراء انتقد موقف الكاتب من الحروب الصليبية واعتباره لها حروباً عنصرية، مظهراً أن العرب الفاتحين أجبروا سكان أفريقيا الشمالية المسيحيين على اعتناق الإسلام بالقوة، كما انتقد ما ذكره الكتاب حول إخراج المسيحيين للمسلمين من إسبانيا معتبراً أنهم هم الغزاة الذين فتحوا هذه البلاد بقوة السلاح وروّعوا أهلها. وجدت هذا التعليق سخيفاً بالفعل، ومن المؤسف أن التعليقات نشرت دون رد عليها في الغالب، ما يوحي خطأً بصحتها.

الكتاب بالإجمال جيد، ومفيد في الاطلاع على صفحة من حياة الجاليات في فرنسا وتعاطي الفرنسيين مع الهجرة، لكنه باعتقادي، وكما ذكر أحد القراء، لا يسهم كثيراً في إقناع عنصري بتغيير أفكاره، إنه أكثر نفعاً لغير العنصريين أو للحائرين، أو لمن يحملون في بعض أفكارهم بذور عنصرية.

إحدى الأفكار في الكتاب لم أستطع هضمها في حديث الكاتب عن العنصرية الدينية. أجد من الطبيعي أن يجد الإنسان دينه متفوقاً على الأديان الأخرى وكذلك أفكاره، وإلا فلماذا اعتمدها إن لم تكن كذلك؟ العنصرية لا تكمن بنظري في رؤية المرء لأفكاره بل في تعامله مع أفكار الآخرين. الحرية الدينية مكفولة في الإسلام والإكراه خرافة استشراقية ليس إلّا، والأفكار الأخرى جديرة بالاحترام ما دامت لا تمس ركيزة أساسية من ركائز المجتمع أو الحياة. بل إنّ الاختلاف مبحث مهم في الشريعة الإسلامية وما يجري على الساحة من تعميم لفتاوى أو آراء فقهية تابعة لمذهب معين على اعتبار أنها الرأي الصحيح، هدم لتاريخ مشرق للاختلاف في الفقه الإسلامي. في دراستي الشرعية، كانت إحدى المواد مخصصة لمناقشة أكثر المسائل إثارة للجدل في وقتنا الحاضر، وترسيخ مفهوم الاختلاف وأهميته. أجد أن دراسة كهذه ينبغي أن تعطى جنباً إلى جنب مع المواد الأخرى لدارسي الشريعة الإسلامية خصوصاً في ظل التعصب المخيف لتابعي أحد التيارات الإسلامية.

أخيراً، النقطة التي أثارت استيائي في الكتاب كانت في حديث دار في إحدى المدارس بين الكاتب وإحدى المشرفات المسلمات التي سألته، أليس من العنصرية أن يمنعها أهلها من الزواج بالرجل الذي تحبه، فقط لأنه ليس مسلماً، وبالتالي سوف يتم إجباره إن أصر على الزواج بها، على التحول قسرياً إلى الإسلام؟

جوابي أن ذلك – بالعرض الذي طرح – ليس من العنصرية بل التزاماً منطقياً بتعاليم الدين الذي ينتمي المرء إليه. هل من الطبيعي مثلاً أن أوقف الأستاذ في منتصف حله لإحدى المسائل وأطلب منه إكمال الحل بطريقة أخرى ثم اصفه بالعنصرية والتعصب لطريقته إن رفض وأخبرني أنه لن يصل بذلك إلى نتيجة، وأنه إن أراد الاستعانة بهذه الطريقة فقد كان عليه أن يستعملها منذ البداية؟

بطاقة الكتاب:

  • الاسم: Le racisme expliqué à ma fille.
  • المؤلف: طاهر بن جلون.
  • الناشر: seuil.
  • الطبعة: عام  98-99.
  • السعر: 5.95 أورو.
  • عدد الصفحات: 98 صفحة.

تحديث: بحثت عن الكتاب باللغة العربية على النت ووجدت أنه مترجم بالفعل، وأسعدني أن طابق عنوانه العربي العنوان الذي ترجمته😉.

بيانات الكتاب بالعربية ( لا أدري إن كانت هذه النسخة تحتوي على تعليقات القراء التي أشرت إليها، لكن لها نفس الغلاف علماً بأن غلاف الطبعات الأخرى بالفرنسية مختلف).

  • العنوان: العنصرية كما شرحتها لابنتي.
  • المؤلف: الطاهر بن جلون.
  • الناشر: دار ورد.
  • المترجم: نبيل محسن.
  • الطبعة الأولى 1998.
  • السعر: 3 $.
  • عدد الصفحات: 78 صفحة.

الأوسمة: , , , , , , , , ,

10 تعليقات to “العنصرية كما شرحتها لابنتي”

  1. تحت المطر Says:

    شكرا لهذه النظرة الموجزة للكتاب
    ورأيك بالكتاب الذي أضفى على المقالة لمسات مميزة صادقة / لا تهدف للترويج

    دمت بود

    • wardshami Says:

      لكِ الودّ والتقدير.
      اختلست الوقت لكتابة التدوينة لأن المماطلة ستفضي بقراءة الكتاب إلى ما وصلت إليه قراءة ” الصليبيون في الغرب” التي لم أعدّها حتى الآن لأنني أنوي التوسع فيها. قلت لنفسي أن تدوينة متكاملة أفضل من لا شيء، ويسعدني أنها حازت على رضاك.
      شكراً لتكلّفك عناء ترك كلماتك.
      ولوجودك أطيب تحية.

  2. أفلاطونية Says:

    عرض تحليلي جميل أختي ورد شامي .. فوجئت فعلاً من بعض التساؤلات التي طرحها الكتاب .. من الاجدى أن يوضع رد الكاتب عليهم !!

    • wardshami Says:

      أجل، كنت أتميز غيظاً عند قراءتي لبعض التعليقات دون جواب عليها. لكن الأدهى أن يكون الكاتب موافقاً لبعضها، لست متأكدة من الأمر لكن كان صعباً علي أن أتقبل فكرة وضعه لهذه التعليقات دون أن يجيب على موضوع الفتح الإسلامي على الأقل. كان ذلك سيدخله في مناظرة تاريخية بالتأكيد، لكن وجهة نظري أنه ما كان عليه أن ينشر هذه الأقوال إن لم يكن يريد – لسبب أو لآخر – أن يجيب عليها.
      يحتاج الأمر إلى طبعة ثالثة مع تعليقات القراء + الردود على تعليقات القراء🙂.

  3. اقصوصه Says:

    اول مره اسمع عنه

    شكله ينفع لتثقيف الكبار و الصغار

    وتنظيف ادمغتهم من العنصريه:)

  4. رشا Says:

    صباحك ياسمين وفل
    أعجبتني قراءتك للكتاب سأضعه في القائمة
    إن سمحت لي ببعض التعقيبات
    (بعيداً عن ذلك، لا يقوم الكتاب بتسطيح المفاهيم، فالقراء كانوا من الكبار والصغار على حد سواء، بل يذكر المؤلف في نهاية كتابه أن إحدى القارئات أرسلت تقول له أن الكتاب ليس تماماً ما يمكن أن يثير اهتمام أطفال بعمر الثامنة) أقول أن تلك القارئة مخطئة يعني لو ننشئ أولادنا على حب القراءة في مختلف مجالاتها سنوسع آفاق تفكيرهم
    (إحدى الأفكار في الكتاب لم أستطع هضمها في حديث الكاتب عن العنصرية الدينية. أجد من الطبيعي أن يجد الإنسان دينه متفوقاً على الأديان الأخرى وكذلك أفكاره، وإلا فلماذا اعتمدها إن لم تكن كذلك؟) قد تكون وجهة نظرك صائبة طبعا كل يرى دينه متفوقا لكن أن يحقِر باقي الأديان أو يحكم عل شخص حسب دينه فهي العنصرية بعينها لذا وجب احترام جميع الأديان حتى غير السماوية
    دمت بخير (هل لي أن أعرف عدد الصفحات )

    • wardshami Says:

      في الواقع، الفرنسيون مهتمون فعلاً بتعويد أطفالهم على القراءة، أظن أن ما عنته السيدة وهي أمينة مكتبة بالمناسبة، أن الكتاب ليس معداً بحيث يفضله الطفل على الكتب الأخرى. صحيح أنه مكتوب بطريقة مبسطة، لكنه مع ذلك يحتاج من الأطفال إلى جهد فكري.
      أوافقك في أن المرء ينبغي أن يحترم الأديان الأخرى من حيث قبوله بالتعايش معها لا من حيث تقبله لأفكارها، وبالمثل عليه أن يحترم حقوق متبعيها في ممارسة شعائرهم إلا أن يؤدي ذلك بإيقاع الضرر الفادح به.
      تم إضافة عدد الصفحات، شكراً لتعقيبك.

  5. قادة Says:

    شكرا جزيلا على الطرح الراقي للكتاب, اعرف هذا الكاتب لكن للاسف لم يحصل لي ان قرات له بحكم ان اغلب الكتب تصلنا باللغة الفرنسية اما المترجمة منها فهي قليلة نوعا ما, ساحاول ان ابحث له عن هذا الكتاب …

    • wardshami Says:

      أعتقد أنه من الأفضل إن كنت تتقن الفرنسية وإن كانت الكتب تصلكم بالفرنسية، أن تقرأ الكتاب بلغته مباشرة. مهما كانت الترجمة متقنة، لا بد لها ان تُفقد العمل الأصلي بعضاً من روحه.
      بالتوفيق لك في بحثك.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: